لا أرى فلسفة أو طريقة واضحة في إدارة المجتمع العراقي اقتصادياً وسياسياً، منذ العام٢٠٠٣، إذ وبعد أن تركنا الاشتراكية الهجينة وديكتاتورية الحزب الواحد، دخلنا مرحلة جديدة، قال عنها الساسة بعد أن تلقفوها عنوة من المحتل، أنهم يطبقون اقتصاد السوق، أيأنهم نَحْوا منحاً رأسمالياً، وهم في هذا التطبيق راحوا بعيداً، فيه التخبط واضحاً، كما كان حاصلاً أيام البعثيين، يوم حاولوا أن يجدوا تعريفاً لاشتراكيتهم فقالوا عنها رشيدة مرة،واشتراكية عربية مرة أخرى، فبانوا يتخبطون، مثل غراب قد تاه بِمَشْيتيّه، بين الماركسية والرأسمالية المقيدة.
ان الرأسمالية وان كانت نظاماً اقتصادياً يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وخلق السلع والخدمات، كما هو حاصل تماماً في العالم الغربي وحاصل نصفه في العراق الذي يحاول اللحاق بالركب، فإنها كذلك نظرية أو موقفاً اجتماعياً سياسياً يكمن جوهرها في أن الأسواق تعمل بشكل أفضل والإنتاج يزيد أو يكبر بشكل أفضل من خلال إدارة الدولة بشكل أسلم، والعمل على تكوين شبكة دعم اجتماعي أقوى، لتعزيز انتاج رأس المال،وخفض نسبة الفقر لزيادة نسبة المشاركة في سوق رأس المال.
معادلات في الاقتصاد والسياسة، لو تتبعنا مديات تطبيقها والالتزام بقوانينها في العراق،سنجد أن الطبقة السياسية التي حُمِلتْ مسؤولية إدارة الدولة بعد التغيير، لم تتمكن من انتاج رؤية تتوافق مع مقتضيات اقتصاد السوق المراد تطبيقه، أو على الأقل لم تجد سبيل انتقال من تلك المرحلة البعثية الهجينة الى المرحلة الرأسمالية الجديدة، تتوافق مع مقتضيات الحاجة، واعتمدت على التكهنات الأيديولوجية أكثر من اعتمادها على الأدلة التجريبية،فعدنا مرة أخرى كما كنا في الأيام التي سبقت التغيير، نسمع مصطلحات عن رأسمالية إسلامية، ونظريات اقتصادية إسلامية، وفتحنا مصارف إسلامية، أي دخلنا مرحلة هجينة لم تكن نافعة لتطبيق اقتصاد السوق، أو هي تحايل على نظرياته، سيتم الاعتراف بخطئها ثم التنحي عنها بعد سنين نكون خلالها قد خسرنا الكثير. ونجد أيضاً أن السياسة التي تدير اقتصاد السوق تتعامل مع المجتمع تعاملاً فيه قدر من اللا معيارية، إذ أن التوافقية السياسية مثلاً وسمت الإدارة بالتحيز (الأيديولوجي والقومي والمذهبي) فالوزير المفروض من قبل الكتلة مؤدلج يرى نفسه سيد الموقف، يحاول منذ اليوم الأول، مسح آثار سلفه، والبدء من جديد تبعاً لأفكاره الدينية والحزبية، منحازاً لتلك الأفكار والتوجهات، وبانحيازه هذا أبطلأو أعاق تطبيقات النظرية الخاصة باقتصاد السوق التي ترفض أية تدابير تتأثر بالتحيز، أيكان.
من هذا يمكن تشبيه نوع الإدارة التي اعتمدت في العراق وفي كل شؤون البلاد، أنها أقرب الى اللمّة أو الجوقة، التي يحاول كل مشارك فيها السير بالاتجاه الذي يراه، وهي طريقة لاتصلح للاقتصاد، مهما حملت في داخلها من نوايا حسنة واجتهادات ترقى الى التقديس.
سعد العبيدي
18/8/2018